جنى الجومان
مرحبا بكم في منتدى جنى الجومان,,,,,,

نرجوا التسجيل والانضمام في المنتدى """"""
اذا كنت مسجل في المنتدى نرجوا ان تقوم بتسجيل الدخول
تحياتي جنى الجومان ,,,,.......

جنى الجومان

تفريغات معهد شيخ الإسلام العلمى للأخوات فقط
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفريغ محاضرة اصول الايمان (14)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جنى الجومان
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد المساهمات : 3319
لؤلؤة : 6117
نقاط الأعجاب : 41
تاريخ التسجيل : 23/12/2012
الموقع : http://ganaelgoman.yoo7.com/

مُساهمةموضوع: تفريغ محاضرة اصول الايمان (14)   السبت فبراير 09, 2013 8:38 pm

الفصل الثالث
توحيد الأسماء والصفات
التمهيد
الإيمان بالأسماء والصفات وأثر ذلك في سلوك المسلم

قبل أن ندلف إلى هذا التمهيد لابد أن نقول
أهمية دراسة هذا الباب
أولاً: مسألة الإيمان بالأسماء والصفات هي أحد المسائل العقائدية الكبرى التي وقع الخلاف فيها بين أهل الإسلام المنتسبين للقِبْلة

يعني هي قضية من القضايا التي نَجَم عنها فرق خارجة عن إطار أهل السنة من
الفرق النارية، فبعض الناس ضلَّ في باب التعطيل والتحريف, وبعض الناس ضَّل
في باب التمثيل والتكييف، وأهل السنة وسط بين الفِرَق كما أن أهل الإسلام
وسط بين أهل الملل.
ثانياً: أن الإيمان بالأسماء والصفات وقع الخلاف فيه بين المسلمين وبين غيرهم من أهل الكتاب والمشركين

فإن اليهود وصفوا الله عز وجل بصفات النقص، كما قال عز وجل : {وَقَالَتِ
الْيَهُودُ يَدُ اللَّـهِ مَغْلُولَةٌ}[المائدة:64]، وقال عز وجل {لَّقَدْ
سَمِعَ اللَّـهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّـهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ
أَغْنِيَاءُ} [آل عمران:181]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا
مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [ق:38] ولغوب: أي التعب, فإن اليهود قَبَّحهم الله
قالوا إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام فتعب فاستراح في اليوم
السابع، وكذلك النصارى خلافهم مع أهل الإسلام جزء كبير منه في الأسماء
والصفات، فإنهم وصفوا الله بالأبوة وأن له ولد، ونسبوا لله عز وجل صفات
الحوادث والمخلوقات مما ينزه عنها الرب سبحانه وتعالى، وقالوا أن هذا الولد
الذي هو من جوهر أبيه والذي له صفات الألوهية أنه عُذِّب وضُرِب وصُلِب
ووُضِع إكليل الشوك على رأسه, ونسبوا إلى الله عز وجل الصاحبة أو الزوجة
وهي مريم عليها السلام، في غير ذلك من صفات نقص ينسبوها إلى الله عز وجل،
وضَلُّوا أيضاً في أنهم نسبوا صفات الله إلى الخلق فنسبوا إلى المسيح عليه
السلام صفات الربوبية والألوهية، وكذلك المشركون فإنهم أي مشركو مكة ما
قدروا الله حق قدره، فنسبوا بعض الصفات الناقصة إلى الله سبحانه وتعالى مثل
قول بعضهم "إن الله يعلم ما نظهره ولايعلم ما نخفيه" ومثل نسبتهم أو
تسميتهم أصنامهم بأسماء الله عز وجل وتأنيث هذه الأسماء كقولهم "مناة" من
المنَّان، "العُزَّى" من العزيز و"اللات" من الله، وكذلك وصفهم لله عز وجل
بأن له بنات وهم الملائكة، كما قال سبحانه وتعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّـهِ
الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ} [النحل:57]، وقال
تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّـهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ
الْكَذِبَ} [النحل:62]، وهم ينسبون لله عز وجل البنات، قال تعالى:
{وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ إِنَاثًا
ۚ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ}
[الزخرف:19]، وقال الله عز وجل: {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ
الْبَنُونَ} [الطور:39]، فالأمر هذا أمر في غاية الأهمية.
ثالثاً: من
أهمية هذا الباب أنه هو الباب الأوسع في زيادة الإيمان وتحقيق مقام الإحسان
وأن يَعْبُد المرء ربه كأنه يراه فإن لم يكن يراه فهو يراه
أوسع
الأبواب التي تزيد إيمان المرء وتُعَد بسلوكه وتُرَقِّيه إلى مرتبة الإحسان
هو باب الإيمان بالأسماء والصفات، فإن الذين عطلوا الله عز وجل عن صفاته
هم كما قال ابن القيم رحمه الله: هم "قُطَّاع الطريق على الله" قطعوا
الطريق بين القلوب وبين مولاها.

يقول في هذا التمهيد:
إن
للإيمان بأسماء الله وصفاته آثارا عظيمة في نفس المسلم وتحقيق لعبادة ربه،
فمن آثارها: تلك المعاني التي يجدها العبد في عبوديته القلبية التي تثمر
التوكل على الله تعالى والاعتماد عليه, وحفظ جوارحه وخطرات قلبه وضبط
هواجسه؛ حتى لا يفكر إلا فيما يُرْضي الله تعالى, ويُحِب لله وفي الله، به
يسمع وبه يبصر ومع ذلك هو واسع الرجاء وحَسُن الظن بربه.
هذه المعاني
وغيرها مما يتعلق بالإيمان بمعاني الأسماء والصفات تثُمْرِ العبودية
الظاهرة والباطنة على تفاوت بين شخص وآخر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

إذن هو ينبه هنا إلى قضية خطيرة وهي أن التوحيد الذي أُرسلت به الرسل أو
أعظم التوحيد الذي أرسلت به الرسل هو توحيد الألوهية وهو الذي وقعت فيه
الخصومة بين الرسل وأقوامهم " واعبدوا الله ما لكم من إله غيره".
لكن سؤال علام تأسس توحيد الألوهية؟؟
تأسس على المعرفة والإثبات

فإنك إذا عرفت ربك وأن له معاني الربوبية وأنه متفرد بهذه المعاني وعرفت
ربك وأنه قد سمَّى نفسه بالأسماء الحسنى, وقد دلت هذه الأسماء على الصفات
العليا وأن الله سبحانه وتعالى له المثل الأعلى في السموات والأرض فهو
أَوْلَى بكل جميل، والموصوف بكل جميل سبحانه وتعالى، أثمر ذلك خضوعاً
وإذعاناً وانقياداً لله سبحانه وتعالى فَتُفْرِدُه بالعبادة والألوهية فلا
تعبد سواه.
إذن توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية يمثل القاعدة أو
المُرْتكز الذي يؤسس عليه توحيد الألوهية الذي هو أصل بعثة الرسل وأعظم
أنواع التوحيد والتي وقعت فيه الخصومة.

يقول:
فالاسمه "الغفَّار" أثر عظيم في محبته وعدم اليأس من رحمته.
وهنا يريدك أن تعرف كيفية التعبد بالأسماء والصفات.

أسماء الله عز وجل على أنواع، بعض أسماء الله توجب لك محبة شديدة لهذا
الرب العظيم, وبعض أسماء الله عز وجل وصفاته توجب لك خوفا شديدا وانكساراً
لله، وبعض أسماء الله عز وجل توجب لك حياء لهذا الرب سبحانه وتعالى، وبعض
الأسماء تفتح لك أبواب الرجاء وأبواب التطلع لرحمة الله سبحانه وتعالى،
فهذه كلها صنوف من العبوديات يلزم المرء أن يجمعها كلها،لابد أن يجمع
الإنسان في قلبه كل هذه العبوديات، الخوف والرجاء ولمحبة ولذلك لما عرِّفَت
العبادة قالوا: " لها ركنان كمال الحب مع كمال الذل", فليس حباً مع
نِدِّيَّة أو مع استعلاء أو مع استغناء وليس ذلاً مع بُغْض أو مع منافرة أو
معاداة إنما كمال الحب مع كمال الذل.
ويضرب هنا عدة أمثلة وهذا الكلام
في غاية الأهمية لأن ثمرة العقيدة هي تعديل السلوك، الصحابة مكثوا في مكة
13 سنة مع النبي ﷺ ، كان جُلْ القرآن الذي ينزل وغالب كلام النبي ﷺ معهم في
أمور العقيدة وفي تأسيس هذه المعاني، فبَعْد ذلك هاجروا إلى المدينة وبعد
ذلك فتحوا الدنيا بأسْرِها.
العرب أو الصحابة كانوا قبل ذلك عرب في
جاهلية وما تعلمون من أمور جاهلية فما عدل طباعهم وسلوكهم إلا العقيدة
الصحيحة السليمة، ولذلك فإن العقيدة الصحيحة السليمة لابد حتى تكون نافعة
لصاحبها أن تُثْمِر عملاً، بعض الناس قد يحفظ هذا الكلام ويجري فيه كالسهم،
الأسماء كذا والصفات كذا والتحريف والتأويل ويعدد الأسماء ومعانيها، ولكن
فرق شاسع بين العلم والحال، أن تعرف اسم الله عز وجل وصفته، وأن يقع هذه
الاسم والصفة في قلبك فيثمر حالاً وتغييراً وعبودية في القلب والجوارح.

فأنا أعيذكم بالله ونفسي أن يكون حظنا من هذا العلم هو مجرد حصر المسائل
ذهنياً، وعَدُّها وقراءتها, وإنما الثمرة المقصودة هو أن يمتليء القلب بهذه
المعارف وهذه الإيمانيات.
فيضرب هنا مثال جميل جداً يقول:
فـلاسمه "الغفَّار" أثره عظيم في محبته وعدم اليأس من رحمته
إذن الله عز وجل اسمه الغفار، المطلوب مني في الإيمان بهذا الاسم ثلاثة أشياء:
أولا: أنه اسمه الغفار فأناديه بذلك وأقول " يا غفار" وأثبت له هذا الاسم.
ثانياً: أثبت له صفة متضمنة هذا الاسم وهي أنه غفار أي ذو مغفرة أي غفَّار يغفر الذنب.

ثالثاً: أومن بأثر هذه الصفة وأن من آثار هذه الصفة أنه يغفر ذنوب عباده
المستغفرين، ويغفر لمن شاء من أهل التوحيد طالما أنه لقيه لم يشرك به شيئاً
أو لقيه بغير الشرك.
فإذا أحدنا استحضر هذا الاسم وهذا المعنى وهذه
الصفة هل يقنط من ذنوبه؟؟ هل يقنط من رحمة ربه؟؟ هل يصيبه الإحباط واليأس
من الوقوع المتكرر في بعض المعاصي؟؟ هل يترك الاستغفار ويترك التوبة؟؟ لا.

ولاسمه "شديد العقاب" -اسم من أسمائه- أثره الكبير له في خشيته وعدم الجرأة على محارمه وهكذا لأسمائه الأخرى.

مثل مثلاً :صفة "الرقيب" و"الشهيد" أي أن الله عز وجل شهيد على الإنسان
ورقيب عليه، فإذا خلا الإنسان بنفسه وحدثته نفسه بفعل معصية حيث لا يراه
الناس، يقول لها: "يا نفس إن الذي خلق الظلام يراني"، "إذا هممت بريبة في
ظلمة والنفس داعية إلى العصيان فقل لها يا نفس إن الذي خلق الظلام يراني"،
فأنت خلوت عن الناس ولكن الله عز وجل رقيب شهيد عليك بما تعمل قائم على كل
نفس بما كسبت.
وكذلك من أسماء الله عز وجل "الودود" تخيل الودود أي كثير الود لعباده وهو الغني عنهم، فكيف تتعبد بهذا الاسم.

اسم الله عز وجل "اللطيف" الذي يوصل البر بعباده بسبب خفي، فإذا علمت هذا
الاسم وعلمت أن الله عز وجل له مع خلقه شئون وإيصال البر إليهم في الخفاء
فأحسنت الظن بربك، كما كان يقول ابن القيم " إذا علمت أن لُطْف اللطيف لا
ينفك عنه كان المنع هو عين العطاء" إذا مُنِعْت أمرا أحسنت الظن بربك لأنه
لطيف، فقل ما منعني إلا ليعطيني وما حرمني إلا ليُنْعِم علي.
وأيضاً
اسم الله عز وجل "العليم" وأن الله عز وجل علمه تام لا يعتليه نقصان علم ما
كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون, كيف للإنسان أن يغْتَر بعلمه،
إلى غير هذا من هذه الأمور.

يقول:
وهكذا لأسمائه الأخرى
وصفاته آثارها بحسب دلالتها المتنوعة في نفس المسلم واستقامته على شرع
الله, بل وتحقيق محبته في القلوب التي هي أساس سعادة المسلم في الدنيا
والآخرة، ومفتاح كل خير, وأعظم عون للعبد على عبادته لربه على أكمل الوجوه؛
إذا الأعمال الظاهرة تَخِف وتَثْقُل على النفس بحسب المحبة القلبية لله
تعالى.
لذلك الشيخ أبي إسحاق لما كان يقول المثال الجميل " المحبة
تَحْمِلك" أي تشعر أنك خفيف أنت لا تحمل أثقال، فالمحبة إذا امتَلَأْت بها
حَمَلَتْك إلى الله عز وجل وخففت عليك التكاليف، ولذلك العلماء لهم في ذلك
نظم، أن محبة الله عز وجل توجب لك الإقلاع عن المعصية لمجرد الحُب
تعصي الإله وأنت تزعم حبه *** هذا وربي في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته *** إن المحب لمن يحب مطيع

أوجه هذا الكلام لنفسي ولإخواني أغلبية الأخوة ممن يطلبوا العلم لا يمكن
أن تطلب العلم دون أن تزكيه، من يخطب جمعة ومن يعطي درس، فلابد ونحن ننطلق
للعمل بهذا العلم وللدعوة بهذا العلم أننا نَعْلم مُحَرِّكات القلوب، أنت
أمامك الآن شخصية غير مستقيمة منحرفة عن الشريعة فماذا تفعل معها؟؟ هذا من
أوسع الأبواب خاطب فيه وفي قلبه معاني الأسماء
مثلاً لو جلست مع إنسان يستمع إلى الغناء المحرم والمعازف ماذا تقول له؟؟

تقول له ممكن أن أسألك سؤال؟؟ أليس الله سميعاً؟؟ فيقول لك بلى هو سميع،
فالله يسمع ما أنت تسمعه الآن؟؟ يقول نعم، فتقول له أيرضيك أن تسمع الله
هذا الكلام الغير نافع، يدركه الحياء، أنت لَفَّت نظره إلى معنى هام جداً
ممكن أن يكون لم يخطر بباله من قبل، لمَّا شخص يفعل معصية تقول له مثلاً أن
تفعل هذه المعصية ليلاً أو في الظلمة والله عز وجل يراك، الذي يراك
{الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ . وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}
[الشعراء:218-219]، هل أنت متخيل ماذا تفعل، أو مثلاً أنت تظلم الناس
وتفتري عليهم، أو أنت مثلاً تُصْلِح بين المرء وزوجه وأحياناً يكون للزوج
كبر شديد ويرفض أن ينصاع إلى الحق ويظلم المرأة، فتقول له اتق الله هل أنت
مستضعفها فالله قوي وقدير
فالتذكير بمعاني الأسماء والصفات من أوسع الأبواب لتحريك القلوب.

ولذلك اسمع إلى المبدع المتفنن ابن تيمية رحمه الله والذي من أحد أسباب
وموقومات ريادته تفننه في هذا الباب، ومما لا شك فيه أن ابن تيمية كان صاحب
علم واسع وأمر لا يبارَى في تحصيل العلم وحفظ المذاكرة وغير ذلك، لكن ما
نَبُل قدره وذاع صيته إلا لقوة قلبه، وعمله بهذا العلم والدفاع عنه، فكان
له في هذا الباب فتوحات وكلام طيب جداً في أعمال القلوب والاهتمام بالقلوب
وغيرها وشرب منه هذه المعاني كلها ابن القيم التلميذ النجيب وصاغها
بعباراته الأدبية الجميلة, فصار بذلك مستحق لقول أو للقب طبيب القلوب، ولكن
ابن القيم لا تجد له كلمة في آية أو أي لفتة لطيفة إلا وتجد أصلها عند ابن
تيمية، ولكن الفرق أن ابن تيمية عباراته مغلقة ويستطرد كثيراً من سِعة
العلم في كل الاتجاهات، لكن ابن القيم كان أكثر تركيزا وتنميقاً للعبارة،
فكان يعرضها بأسلوب رشيق.
فابن تيمية من ضمن الكلام الجميل له أنه كان يقول في الفتاوى: "ومحركات القلوب ثلاثة: المحبة والخوف والرجاء".
فأنت مثلاً أمامك إنسان مُعْرِض منحرف عن الطريق ماذا تفعل معه؟؟

تُحَرِّك قلبه وتخاطب فيه محبته لله عز وجل، توقظ فيه معاني "المحبة"
وتذكره بهذا الأمر، فلو أنه أحب ربه لسُهَلَ عليه أن يعمل التكاليف
والطاعات ويقلع عن المعاصي، و"الخوف" بعض النفوس لا يمكن أن تأتيها من باب
المحبة فهذا الباب ليس مفتوح معه، فتطرق منه باب الخوف بما يصيبه في الدنيا
وفي القبر وفي الآخرة، {ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّـهُ بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا
عِبَادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر:16]، وبعض النفوس يُجْدي معها جداً هذا الباب،
باب الخوف فهو سوط يسوط الله به عباده للعلم والعمل.
بعض النفوس تكون
رقيقة جداً إنما تساق بباب "الرجاء"، وأن يُفْتح لها باب في الرجاء وفي سعة
رحمة الله عز وجل, لذلك بعض الدعاة يفهم خطأ أن الدعوة والوعظ في العصاة
تكون بالتخويف فقط، قد يكون استعمال هذا الأسلوب أسلوب التخويف فقط موجِب
لإدبار القلوب والشعور باليأس والإحباط
تخيل إنسان تمكنت منه معصية
ولا يستطيع أن يتركها وأنت لا تستخدم معه إلا منهج التخويف ماذا سيفعل؟؟
يقول العبارة التي يقولوها الكثير من الشباب " أنا في كل الأحوال سأدخل
النار فاتركني أفعل ما شئت"!!! وصلوا إلى مرحلة اليأس، لكن لو أنت قلت له
أنت ممتاز فأنت موحِّد بالله هل تدري حسنة التوحيد؟ لكن لابد أن للإنسان أن
تفعل الطاعات وتبدأ معه الأول بباب افعل قبل باب لا تفعل حتى ينمو جدار
الإيمان في قلبه، لأنه إذا نمى جدار الإيمان سيصعب عليه أن يتخطاه للمعصية.

يقول:

فإكمال العمل وتحسينه على ما أراد الله منوطاً بالمحبة القلبية لله,
والمحبة منوطة بمعرفة الله بأسمائه وصفاته, ولهذا كان أعظم الناس عبادة لله
رسل الله الذين هم أعظم الناس محبة له وأعرفهم به.

المبحث الأول
تعريف توحيد الأسماء والصفات وأدلته

أولاً: تعريفه: التوحيد يعني الإفراد فأنت ستُفْرد الله عز وجل بهذه
السماء فلا يُسَمَّى بها غيره على ما ينبغي له، وتفرد الله عز وجل بهذه
الصفات فلا يتصف بها غيره سبحانه وتعالى.
هناك بعض الأسماء والصفات
مشتركة يعني تقع بين الخلق والله عز وجل، مثل الرحمة والكرم والرأفة
والحياة فنقول: "نؤمن ونثبت لله عز وجل ما يليق به، وللخلق ما يليق بهم".

أولاً: تعريفه:

توحيد الأسماء والصفات هو إثبات ما أثبت الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ ،
ونفي ما نفى الله عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، والإقرار
لله تعالى بمعانيها الصحيحة ودلالتها، واستشعار آثارها ومقتضياتها في
الخلق.
إذن هنا أتى بالثلاثة أشياء التي قلنا عليهم، نؤمن بالاسم وبما يتضمنه من معنى (الصفة) وبالآثار المترتبة على ذلك.

طبعاً ابن تيمية رحمه الله في "العقيدة الواسطية"، وضع تعريف بدل أن يقول
هنا "نثبت ما أثبته الله وننفي ما نفاه الله" قال: " نؤمن بكل ما وصف الله
به نفسه سواء نفياً أو إثباتاً"، نؤمن بكل ما وصف الله به نفسه.
صفات الله تبارك وتعالى على قسمين: صفات ثبوتية وصفات سلبية

الصفات الثبوتية أن تثبت لله صفة، الصفات السلبية أن تنفي عنه صفة، فمن
الصفات السلبية مثلاُ: "لا تأخذه سنة ولا نوم"، قال تعالى: {وَتَوَكَّلْ
عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان:58]، {وَمَا مَسَّنَا مِن
لُّغُوبٍ} [ق:38]، وفي الحديث قال ﷺ: "إنَّ يمين َاللهِ مَلْأَى لايغيضُها
نفقةٌ،سحَّاءُ الليلَ والنهارَ " الراوي:أبوهريرة المحدث:البخاري -
المصدر:صحيح البخاري- الصفحة أو الرقم:7419 خلاصة حكم المحدث:[صحيح], فهذه
هي الصفات السلبية.
أما الصفات الثبوتية يكون فيها توسيع وتفصيل وتكثير، أما الصفات السلبية فتكون على وجه الإجمال.

ما المطلوب مني كمكلف؟؟ نحن قلنا أن هذا توحيد معرفة وإثبات, آلة
التوحيد هنا ستكون "القلب" في الأساس، إذن المعرفة والإثبات، تَعْرِف
وتُثْبِت إيجاباً وسلباً ما أثبته الله لنفسه في القرآن، أو أثبته له نبيه ﷺ
في السنة الصحيحة، وتنفي ما نفاه الله عن نفسه في القرآن، وما نفاه عنه
النبي ﷺ في السنة الصحيحة، إذن آلة هذا الأمر هي القلب.
ومعنى كلمة
التوحيد هنا: أي الإفراد فإن الله لا يشبهه خلقُه ولا يشبه خلقَه سبحانه
وتعالى، كما قال الطحاوي: "ولا يشبه الأنام", وقال سبحانه وتعالى: {وَلَمْ
يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4]، فليس له كفؤا ولا مكافىء, وقال
تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم:65]، أي هل تعلم له مُسامياً
مساوياً مناظراً، وقال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِير} [الشورى:11].

ثانيا: المنهج في إثبات توحيد الأسماء والصفات

يقوم المنهج الحق في باب الأسماء والصفات على الإيمان الكامل والتصديق
الجازم بما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن
غير تكييف ولا تمثيل.
أهل السُّنة وسط بين الفرق كما أن المسلمين وَسَط
بين أهل الملل، وهنا كلام مهم جداً هنا أصل البدع في الأسماء والصفات
منشأها واحد، ثم ينقسم بعد ذلك الناس إلى قسمين.
أصل المخالفة هنا أنهم
اعتقدوا أن إثبات أسماء وصفات لله عز وجل يقع بينها وبين أسماء خَلْقه
وصفاتهم الاشتراك أي مشترك لفظي، والمشترك اللظي معناه أن مثلاً لو قلت
الله عز وجل "رؤوف رحيم", والنبي ﷺ "رؤوف رحيم" فهذا معناه اشتراك لفظي،
وهناك اشتراك في جزء من المعنى فهو الخلل كله جاء من هنا، أنهم قالوا
واعتقدوا أنه إذا أثبتنا أسماء الله عز وجل وصفاته التي تكون مشتركة بين
الله وخلقه هذا يوجب المشابهة ويوجب التمثيل، بناءً عليه هناك فريقين:

الفريق الأول قال: مستحيل يكون الله سبحانه وتعالى شبيه لخلقه وبدأوا
يستدلوا بآيات التنزيه مثل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ}، فقالوا أن ننفي عن الله عز وجل الأسماء والصفات ويكون اسمهم
النُّفَاة أو المُعَطِّلَة، إذن هم فروا من معنى أن الإثبات سيقتدي
التشبيه.
الفريق الثاني قال: مستحيل هذه ظواهر الآيات وظواهر الأحاديث
والله هو من سمَّى نفسه ذلك والنبي ﷺ سماه ووصفه بذلك إذن نحن نسميه مثله
وهو يشبه خلقه -والعياذ بالله- إذن هم فريق المُشَبِّهه.
فأصبح لدينا
قسمين معطلة نفاة ومجسمة مشبهة وغلاة، والاثنين منشأ بدعتهم واحد وهو
اعتقاد أن إثبات الصفة والاسم لله عز وجل يقتضي تشبيهه بخلقه. أهل السنة
قالوا أصلاً نحن لا نوافق على هذه القسمة، هم يقولوا مثلا:2×2=8 أم 6 ونحن
نقول لا 8 ولا 6 بل تساوي 4 ...نفس الشيء أنت تُثْبِت وتشبهه بخلقه أم
تنزهه وتُنْفِي عنه الصفات!!! أقول لك لا هذا ولا ذاك أنا أُثْبِت
وأُنَزِّهُّه، فأومِن بكل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ من غير
تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل.

• التحريف: في اللغة معناه التغيير وإمالة الشيء عن وجهه، وهو قسمان:
1. تحريف لفظي: وذلك بالزيادة في الكلمة أو النقص.

أي تزيد في الكلمة حرف أو تُنْقِص منه حرفا, في اللفظ مثلاً لو هي موجودة
في القرآن تزود منها في القرآن أو تنقص, ومن يفعل ذلك يكون كافر كفر عيني
يُخرج من الملة، أو تغير حركة في الكلمة مثل قول الله عز وجل: {وَكَلَّمَ
اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:164] الحركة الإعرابية هنا في لفظ
الجلالة الضمة الظاهرة، ولكن لو أن شخصا قرأها {وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى
تَكْلِيمًا} فجعل الحركة الفتحة الظاهرة لكي يحول لفظ الجلالة من متكلم إلى
مستمع، وموسى هو اسم مقصور آخره ألف لازمة لا تظهر عليه الحركة الإعرابية
فلا فرق هي في الحالتين هيئة واحدة، إذن هو حَرَف ولعب في اللفظ الذي
يُتَعَبد به والذي يُقْرأ سواء آية أو حديث.
المثال الذي أتى به هنا
بعض العلماء يضعه تحريف لفظي وبعض العلماء يضعه تحريف معنوي، لكن الصحيح أو
الراجح فيه أنه تحريف معنوي وهو {الرَّحْمَن عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}
[طه:5]، لأن هم يقولوا استوى بمعنى استولى ولكن لا أحد يقرأها كذلك "الرحمن
على العرش استولى" فلم يُحَرِّف اللفظ فاللفظ ثابت كما هو لكن يكتبها
استوى ويقرأها استوى، لكن عندما يُفَسِّر معناها يُحَرِّف المعنى يقول
استوى أي استولى، والراجح هنا في هذه المسألة ونحن سنخالف الكتاب في هذه
الجزئية أن الراجح أن هذا المثال "تحريف معنوي", وإن كان هناك بعض العلماء
مع البحث لاسيما علماء المملكة العربية السعودية لما يكلموا في هذه المسألة
على أنه مثال، لكن الراجح أن ابن عثيمين وغيرهم يستعملوا هذه المسألة على
أنها تحريف معنوي وليس لفظي.

يقول " كتحريف كلمة "استوى" في قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] إلى " استولى"، قال صاحب النونية:
"نون اليهود ولام جهمي هما *** في وحي رب العرش زائدتان.

فيريد أن يقول أنه شابَهَ الجهمية اليهود, أن اليهودَ الله قال لهم
{وَادْخُلُواْ الْبَاب َسُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ} [البقرة:58]
والمقصود بـ {وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا} إما أن يضعوا جباههم على
الأرض أو يدخلوا على هيئة الرُّكَّع وهي هيئة التواضع والانكسار لله عز وجل
{وَقُولُواْ حِطَّةٌ} أي حط عنا خطايانا حطة أي طلباً للمغفرة وحط الذنوب،
فقالوا استهزاءً منهم قبحهم الله "حنطة" أي الغلة أو القمح، فمعناها هنا
استهزاء ودخلوا على استاههم يزحفون، أي مربعين على الأرض يزحفوا فيدخلوا
على هيئة الجلوس وليس على هيئة السجود.
فنفس القصة هنا "الأشاعرة" أو الذين يحرفون صفة الاستواء بالاستيلاء يستدلوا ببيت شعر لشاعر نصراني اسمه "الأخطل "
استوى بشر على العراق *** بغير سيف ودم مهراق
قالوا أن بِشْر استوى على العراق أي استولى عليها.
أولاً: من جهة اللغة هذا الأخطل لا يعد من عصور الاستشهاد

ثانياً: أهل اللغة الأقحاح الخُلَّص يقولون: "أنه لا يُقَال على الرجل
استولى على شيء إلا إذا كان له فيه مُخَاصِم"، فإذا قلنا " الرحمن على
العرش استولى" فمن خاصمه حتى يستولي منه على العرش!!! سبحانه وتعالى، فهذا
المثال على التحريف المعنوي.
أما مثال التحريف اللفظي: فقول الله عز
وجل في سورة النساء {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:164]
يقرأها الجهم بن صفوان النساء {وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا}
فناظره بعضهم فقال له وماذا تفعل في قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى
لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف:143] !!! أنتم تدرون أن
الهاء إذا اتصلت بالفعل كانت مفعول به وليس في ذلك كلام، وإذا اتصلت بالاسم
ستكون مضاف إليه، الهاء في الضمير هنا، فالهاء التي تكلمه لابد أن تكون
مفعول به وربه هنا هي الفاعل.
وبعضهم عمد إلى أن {وَكَلَّمَ اللَّهُ
مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:164] جعلها بالرفع لكن حَرَّفَها تحريف معنوي
وقال كَلَّمَ هنا بمعنى جرحه بأظفار الحكمة من باب الكَلْم أي الَجْرح، كما
قال النبي ﷺ "ما من كَلْمٍ يُكْلَم في سبيل الله، إلاجاء يوم القيامة
كهيئته حين كلم لونه لون دم وريحه مسك " الراوي: أبوهريرة المحدث:مسلم -
المصدر:صحيح مسلم الصفحة أو الرقم:1876 خلاصة حكم المحدث:صحيح
يعني ما
إنسان يجرح في سبيل الله والله أعلم من يكلم في سبيله وفي هذا التنبيه على
الإخلاص، فهنا في التفسير يقول أن {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى} يفسرها
تفسير عجيب -أشبه بتفسير الباطنية- يعني جرح قلبه بأظفار الحكمة، فانظر إلى
البدعة والهوى ماذا تصنع في أصحابها وكيف يفعل الإنسان في اللغة العربية
والنصوص, حسبنا الله ونعم الوكيل، فكان هذا هو المثال على التمثيل اللفظي
وهو {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}[النساء:164] يحرفها إلى تغيير
الحركة.

والنوع الثاني هو:
2. تحريف معنوي: وذلك بتغيير اللفظ على غير مراد الله ورسوله منه.
كمن فسَّر "اليد" لله تعالى بالقوة أو النعمة فإن هذا تفسير باطل لا يدل عليه الشرع ولا اللغة.

• والتعطيل: هو نفي صفات الله تعالى كمن زعم أن الله تعالى لا يتصف بصفة.

والفرق بين التحريف والتعطيل: هو أن التحريف نفي المعنى الصحيح الذي دلت
عليه النصوص واستبداله بمعنى آخر غير صحيح، أما التعطيل فهو نفي المعنى
الصحيح لغير استبدال له بمعنى آخر.
• والتكييف: تعيين كيفية الصفة
والهيئة التي تكون عليها، كفعل بعض المنحرفين في هذا الباب الذين يكيفون
صفات الله فيقولون: كيفية يده كذا وكذا، وكيفية استوائه: على هيئة كذا
وكذا, فإن هذا باطل إذ لا يعلم كيفية صفات الله إلا هو وحده، وأما
المخلوقون فإنهم يجهلون ذلك ويعجزون عن إدراكه.
إذن التكييف أن يعتقد كيفية معينة سواء لها نظير في الواقع أو لا.

• والتمثيل: هو التشبيه, كمن يقول: لله سمع كسَمْعِنا, ووجه كوجهنا, تعالى الله عن ذلك.
ويتنظم المنهج الحق في باب الأسماء والصفات في ثلاث أصول, من حققها سَلِم من الانحراف في هذا الباب وهي:-
.الأصل الأول: تنزيه الله جل وعلا على أن يُشْبِه شيءٌ من صفاته شيئا من صفات المخلوقين.
.الأصل الثاني: الإيمان, بما سمَّى ووصف الله به نفسه وبما سمَّاه ووصفه به رسوله ﷺ على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته.
.الأصل الثالث: قطع الطمع عن إدراك حقيقة كيفية صفات الله تعالى، لأن إدراك المخلوق لذلك مستحيل.
فمن حقَّق هذه الأصول الثلاثة فقد حقق الإيمان الواجب في باب الأسماء والصفات على ما قرره الأئمة المحقِّقُون في هذا الباب.

ثالثا: أدلة هذا المنهج:
دلت الأدلة من كتاب الله تعالى على تقرير هذا المنهج.

فمن الأدلة على الأصل الأول: وهو تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين: قول
الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}
[الشورى:11]. ومقتضى الآية: نفي المماثلة بين الخالق والمخلوق من كل وجه،
مع إثبات السمع والبصر لله عز وجل، وفي هذا إشارة إلى أن ما يَثْبُت لله من
السمع والبصر ليس كما يثبت للمخلوقين من هاتين الصفتين مع كثرة من يتصف
بهما من المخلوقين.
وما يقال في السمع والبصر يقال في غيرهما من
الصفات, واقرأ قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّـهُ قَوْلَ الَّتِي
تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّـهِ وَاللَّـهُ يَسْمَعُ
تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة:1]، أورد بن
كثير في تفسير الآية مارواه البخاري في كتاب التوحيد والإمام أحمد في
المسند عن عائشة رضي الله عنها قالت "الحمدُ للهِ الَّذي وسِع سمعُه
الأصواتَ، لقد جاءت المجادِلةُ إلى النَّبيِّ ﷺ تُكلِّمُه وأنا في ناحيةِ
البيتِ ما أسمعُ, فأنزل اللهُ عزَّوجلَّ : {قَدْ سَمِعَ اللَّـهُ قَوْلَ
الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}إلى آخرِ الآيةِ":صحيح على شرط مسلم.

ومن الأدلة أيضاً: قول الله تعالى: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّه
ِالأَمْثَالَ} [النحل:74]، قال الطبري في تفسير الآية "فلا تمثلوا لله
الأمثال ولا تشبهوا له الأشباه فإن لا مثل له ولا شبه".
ولذلك عندما
يأتي أحد ويعترض لله على حكم شرعي تقول له {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّه
ِالأَمْثَالَ}، هو ربنا قضى بالتحريم فتقول له: { إِنَّمَا الْبَيْعُ
مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}
[البقرة:275] فلا تضربوا لله الأمثال فالله أعلم منك بالأمثال والأقيسة
والأشباه فلا تحكم عقلك الغير معصوم في النص المعصوم {فَلاَ تَضْرِبُواْ
لِلَّه ِالأَمْثَالَ}.

ومن الأدلة لهذا الأصل: قول الله تبارك
وتعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4]، قال الطبري:
"ولم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء".
ومن الأدلة على الأصل
الثاني: وهو الإيمان بما جاء في كتاب الله والسنة من أسماء الله وصفاته قول
الله عز وجل: {اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ
لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا
فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ
بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ
الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة:255]، وقوله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ
وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
[الحديد:3]، وقوله تعالى: {هُوَ اللَّـهُ الَّذِي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ
ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَـٰنُ الرَّحِيمُ .
هُوَ اللَّـهُ الَّذِي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ
السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ
الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّـهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ . هُوَ اللَّـهُ
الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ
يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ} [الحشر:22-24].
ومن السنة حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم
في صحيحه "كان رسول الله ﷺ يأمرُنا، إذا أخذنا مضجعنا أن نقول: "اللهمَّ
ربَّ السماوات ِوربَّ الأرضِ وربَّ العرشِ العظيمِ ربَّنا وربَّ كلّ شئٍ
فالقَ الحبِّ والنوى ومنزلَ التوراةِ والإنجيلِ والفرقانِ, أعوذ بك من شرِّ
كلِّ دابة أنت آخذٌ بناصيتها, اللهمَّ ! أنت الأولُ فليس قبلك شيء, وأنت
الآخرُ فليس بعدك شيء, وأنت الظاهرُ فليس فوقَك شيء, وأنت الباطنُ فليس
دونك شئٌ, اقضِ عنا الدَّينَ وأغنِنا من الفقرِ " صحيح مسلم.
والنصوص في تقرير هذا الباب كثيرة تَجِّل عن الحصر.

وأما الأصل الثالث: وهو قطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الله تبارك وتعالى
فقد دل عليه قول الله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا
خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه:110]، قال بعض أهل العلم في
معنى الآية " لا إحاطة للعلم البشري برب السموات والأرض فينفي جنس أنواع
الإحاطة عن كيفيتها".
ومن الأدلة لهذا الأصل أيضاً قول الله تعالى:
{لاَّتُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار} [الأنعام:103]
قال بعض العلماء في الحديث عن الآية " وهذا يدل على كمال عظمته وأنه أكبر
من كل شيء, وأنه لكمال عظمته لا يُدْرَك بحيث يُحَاط به، فإن الإدراك -وهو
الإحاطة بالشيء- قدر زائد على الرؤية؛ فالرب يُرى في الآخرة ولا يُدْرَك
كما يُعْلَم ولا يُحَاط بعلمه".
ومعنى ذلك أنني عندما أقول أنني رأيتك
الرؤية شيء والإدراك شيء آخر، والدليل على ذلك قال تعالى: {فَلَمَّا
تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ.قَالَ
كَلَّا ۖ } [الشعراء:61-62]، {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ} أي رءا
بعضهم بعضا فحدثت الرؤية، وأصحاب موسى عليه السلام خائفون من الإدراك
فقالوا إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قال "كَلَّا"، فالإدراك معناه الإحاطة فهو أعم
من الرؤية، قد ترى الشيء ولا تُدْرِكه، لهذا لما تقول "لاَّ تُدْرِكُهُ
الأَبْصَارُ" ولله المثل الأعلى أنت ترى السماء فهل تحيط بها.. هل تدركها؟؟
لا .. إذن هناك فرق بين الرؤية والإدراك، فعندما يقول الله
{لاَّتُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} لا تساوى " لاتراه الأبصار" بالعكس فلا تدركه
أي لا تحيط به رؤية، فالإدراك هو الرؤية التامة وهو رؤية المرء كاملاً،
والله عز وجل {لاّ َتُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ}
[الأنعام:103] سبحانه وتعالى.
مثل العلم والإحاطة قال تعالى: {يَعْلَمُ
مَا بَيْن َأَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}
[طه:110] فأنت تعلم أسماء الله تعالى وصفاته ولكن فرق أنك تعلم وأنك تحيط
علماً أي تعلم عِلْماً كاملاً.

يقول:
وينبغي للعاقل أن يعلم
أن للعقل حدا يصل إليه فلا يتعداه، كما أن للسمع والبصر حدا ينتهيان إليه
فمن تلكف ما لا يدرك بالعقل كالتفكر في كيفيات صفات الله فهو كالذي يتكلف
أن يبصر ما وراء الجدار أو يسمع الأصوات في الأماكن البعيدة جداً عنه.


فتخيل أننا جالسون وأحدنا ينظر إلى الحائط!! فنقول له ما تفعل؟ قال أنا
أركز لكي أرى ما وراء هذا الحائط!! فسنقول له كن عاقلا أنت عينك محدودة لا
يمكنها أن تنفذ الجدار، فهذا الجدار مانع من الرؤية فأنت لو ظللت تُشْغِل
نفسك لكي تنظر على ما وراء الجدار ستضيع عمرك وتبدد حاسة البصر ولن تصل إلى
شيء، غاية ما تصل إليه أوهام، هذا هو ما يحدث بالضبط كما أن البصر محدود
فإن العقل محدود، فأنت تحاول جاهداً لإدارك كيفية صفات الله وأنَّى لك هذا
لن تره سبحانه وتعالى ولن ترى مثيلاً له حتى تقيس عليه، فأنَّى لك أن
تُكَيِّف صفة منه سبحانه وتعالى.
ونضرب لها مثال لو عندنا طالب في أولى
ابتدائي وأتينا له بمسألة من مسائل المحددات والمصروفات ثانوية عامة أو
شيء من البرمجة فهل سيستطيع حلها ؟؟ لا، هناك عدة أسئلة هل الطالب مجنون؟؟
هل هذه المسألة ليس لها حل؟؟ إذن هو عاقل ولكنه لا يستطيع حل المسألة, فهي
نفس القصة، فأنت لك عقل لكن لا تستطيع أن تدرك هذا الأمر، هل معنى ذلك أن
الله سبحانه وتعالى ليس لصفاته كيفية وهيئة سبحانه وتعالى؟؟ لها كيفية ولكن
لا نعلمها نحن، لذلك نقول نفي الكيفية ونفي الإدراك والمعرفة وليس نفي أن
الصفة لها كيف.

جنى الجومان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://sites.google.com/site/elitescientificconcourse/
 
تفريغ محاضرة اصول الايمان (14)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
جنى الجومان  :: معهد شيخ الاسلام العلمى الفرقة التمهيدية :: كتاب اصول الايمان-
انتقل الى: